محمد بن جرير الطبري

30

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الاختلاف في ذلك السعي بين الصفا والمروة بين أهل العلم على أوجه ؛ فرأى بعضهم أن تارك الطواف بينهما تارك من مناسك حجه ما لا يجزيه منه غير قضائه بعينه ، كما لا يجزي تارك الطواف الذي هو طواف الإِفاضة إلا قضاؤه بعينه ، وقالوا : هما طوافان أمر الله بأحدهما بالبيت ، والآخر بين الصفا والمروة . ورأى بعضهم أن تارك الطواف بهما يجزيه من تركه فدية ، ورأوا أن حكم الطواف بهما حكم رمي بعض الجمرات ، والوقوف بالمشعر ، وطواف الصدر ، وما أشبه ذلك مما يجزي تاركه من تركه فدية ولا يلزمه العود لقضائه بعينه . ورأى آخرون أن الطواف بهما تطوع ، إن فعله صاحبه كان محسنا ، وإن تركه تارك لم يلزمه بتركه شيء . والله تعالى أعلم . ذكر من قال : إن السعي بين الصفا والمروة واجب ولا يجزي منه فدية ومن تركه فعليه العودة . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة ، عن عائشة قالت : لعمري ما حج من لم يسع بين الصفا والمروة ، لأَن الله قال : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال مالك بن أنس : من نسي السعي بين الصفا والمروة حتى يستبعد من مكة فليرجع فليسع ، وإن كان قد أصاب النساء فعليه العمرة والهدي . وكان الشافعي يقول : على من ترك السعي بين الصفا والمروة حتى رجع إلى بلده العود إلى مكة حتى يطوف بينهما لا يجزيه غير ذلك . حدثنا بذلك عنه الربيع . ذكر من قال : يجزى منه دم وليس عليه عود لقضائه : قال الثوري بما : حدثني به علي بن سهل ، عن زيد بن أبي الزرقاء عنه الثوري ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد : إن عاد تارك الطواف بينهما السعي بين الصفا والمروة الثوري لقضائه فحسن ، وإن لم يعد فعليه دم . ذكر من قال : الطواف بينهما تطوع ولا شيء على من تركه ، ومن كان يقرأ : " فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما " حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا ابن جريج ، قال : قال عطاء : لو أن حاجا أفاض بعد ما رمى جمرة العقبة فطاف بالبيت ولم يسع السعي بين الصفا والمروة ، فأصابها يعني امرأته لم يكن عليه شيء ، لا حج ولا عمرة ؛ من أجل قول الله في مصحف ابن مسعود : " فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما " فعاودته بعد ذلك ، فقلت : إنه قد ترك سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ألا تسمعه يقول : فمن تطوع خيرا فأبى أن يجعل عليه شيئا ؟ حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا عبد الملك ، عن عطاء ، عن ابن عباس أنه كان يقرأ : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الآية ، " فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما " حدثني علي بن سهل ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن عاصم ، قال سمعت أنسا يقول : الطواف السعي بين الصفا والمروة بينهما تطوع . حدثني المثنى ، قال : ثنا حجاج ، قال : ثنا حماد ، قال : أخبرنا عاصم الأَحول ، قال : قال أنس بن مالك : هما السعي بين الصفا والمروة تطوع . حدثني محمد بن عمرو : قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد نحوه . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما قال : فلم يحرج من لم يطف بهما السعي بين الصفا والمروة . حدثنا المثنى ، قال : ثنا حجاج قال : ثنا أحمد ، عن عيسى بن قيس ، عن عطاء ، عن عبد الله بن الزبير ، قال : هما السعي بين الصفا والمروة تطوع حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن عاصم ، قال : قلت لأَنس بن مالك : السعي بين الصفا والمروة تطوع ؟ قال : تطوع . والصواب من القول في ذلك عندنا أن الطواف بهما السعي بين الصفا والمروة فرض واجب ، وأن على من تركه العود لقضائه ناسيا كان أو عامدا لأَنه لا يجزيه غير ذلك ، لتظاهر الأَخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حج بالناس فكان مما علمهم من مناسك حجهم الطواف بهما . ذكر الرواية عنه بذلك : حدثني يوسف بن سلمان ، قال : ثنا حاتم بن إسماعيل ، قال : ثنا جعفر بن محمد ، عن أبيه محمد ، عن جابر قال : لما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصفا في حجه ، قال : " إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ السعي بين الصفا والمروة ابدءوا بما بدأ الله بذكره " فبدأ بالصفا فرقي عليه . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا محمود بن ميمون أبو الحسن ، عن أبي بكر بن عياش ، عن أبن عطاء عن أبيه عطاء ، عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ السعي بين الصفا والمروة ، فأتى الصفا فبدأ بها ، فقام عليها ثم أتى المروة فقام عليها وطاف وسعى . فإذا كان صحيحا بإجماع الجميع من الأَمة أن الطواف بهما على تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته في مناسكهم وعمله في حجه وعمرته ، وكان بيانه صلى الله عليه وسلم لأَمته جمل ما نص الله في كتابه وفرضه